
قِصةُ تَحطيْمِ الأَصْنَام
(وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ)
جاءهم بالهدى فآثروا الضلال، وأثبت لهم الحق بالأدلة القاطعة والبراهين الساطعة فأجابوه بجواب كل الوثنيين:هذا ما وجدنا عليه آباءنا: وهي حجّة الضعيف.
وبعد أن رفضوا الهدى وأنكروا الحق وتغافلوا عن آيات ربهم قرر خليل الله إبراهيم(ع) أن يُنبههم بخطة لا شك بأنها سوف تجبرهم على الإنصياع للحق حيث علّم الله أنبياءه كل ما يلزمهم للدعوة(قَالَ بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ) عندي من الأدلة ما يكفي لإثبات ما جئتكم به من عند ربكم، مع أنّ نفس كلام إبراهيم معهم هو حُجة عليهم لأنهم لم يروا منه كذباً ولا انحرافاً طيلة وجوده معهم.
لقد دافعوا عن الأصنام بكل قوتهم وأصروا على عبادتها من دون الله، لا لأنهم يحبونها ويعبدونها بل لأنّ لهم مصالح بها، وهم في قرارة أنفسهم يذعنون بأنها مجرد حجارة هم أعطوها تلك الأشكال ولوّنوها بأيديهم، هذا كله وإبراهيم(ع) بينهم يعظهم ويحذّرهم من أنها مجرد أحجار وأخشاب أنتم صنعتموها بأيديكم فلن تضركم ولن تنفعكم في شيء، ولهذا اتخذ قراراً حكيماً وجريئاً كانت أقل تكلفة له هي الموت المحتّم(فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ)
انتظر حتى حلّ الظلام واستغل نوم الظالمين وبُعدهم عن المعبد فدخله في تلك الليلة، والوثنيون غارقون في النوم مطمئنون، فأخذ فأساً وراح يكسر أصنامهم واحداً تلو الآخر حتى تحولت إلى قطع صغيرة، وأبقى الصنم الأكبر سليماً وقد علّق الفأس عليه.
(قَالُوا مَن فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ)
وعند الصباح أتوا إلى معبدهم كالعادة وهم مرتاحون لوضعهم مع أنهم سمعوا بآذانهم تهديد إبراهيم لهم فلم يعيروا كلامه أي اهتمام حيث كانوا يعتقدون بأنه لا يجرؤ أحد على إحداث الأذى في آلهتهم المزعومة، فدخلوا المعبد ووجدوا أحجاراً متناثرة ورماداً منتشراً في كل مكان فصُعقوا لهول الأمر حيث تجرأ أحدهم على الآلهة فكسّرها، ومن حينها بدأوا يشعرون بحجم الخطر الذي يتهدد عقيدتهم وبالتالي تجاراتهم ووجودهم، ويا لها من آلهة حقيرة لا تستطيع الدفاع عن نفسها.
وبينما هم يتحاورون فيما بينهم متحرين مذعورين وكأنّ على رؤوسهم الطير، وإذ بأحدهم يشير بإصبع الإتهام إلى خليل الله حيث سمعه يتوعّد أصنامهم(قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ)
عندما استرجعوا وعيهم تذكّروا تهديد إبراهيم لهم ولأصنامهم فأرسلوا في طلبه ليتحققوا من الأمر وينال الجاني عقابه اللازم، جاءهم وهو متماسكٌ ومترابط ليس عليه شيء من ملامح الخوف فسألوه إن كان هو فعل تلك الجريمة أم لا(قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ)
فأجابهم بكل هدوء رغم الخطر الذي كان مُحدقاً به(قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ)
فإذا كان تحطيم الأصنام كارثة بالنسبة للوثنيين فإنّ إحراج إبراهيم لهم هذه المرةَ كان أشد وَقْعاً عليهم بمراتب حيث أحرجهم فأخرجهم، وبيّن لهم بالدليل العقلي بأنّ هذه الأصنام ليست آلهة ولا تستحق منكم كل هذا الإهتمام، بل هي مجرد أحجار أنتم أعطيتموها تلك الأشكال، وإذا كانت آلهة فلماذا لم تدفع عن نفسها الشر، ثم إن كانت آلهة كما تزعمون فها هو الإله الأكبر سليماً لم يُصب بأي أذىً فارجعوا إليه واسألوه إن كان يستطيع النطق(فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاء يَنطِقُونَ) وهنا ظهرت الغَلَبة لخليل الله الذي استغل وضعهم النفسي حيث فكّر بعضهم في الأمر فوجد بأنّ كلام إبراهيم منطقي مما أحدث فرقة بينهم وخللاً في عقيدتهم، وهناك دعاهم إلى طريق الهدى(قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ)
فعندما هزمهم شر هزيمة هم وأصنامهم لم يبق بأيديهم حيلة ولم يستطيعوا الرد عليه، وعندها قطع كبار كهنتهم النزاع حين حرّضوا الوثنيين على قتل إبراهيم الذي ارتكب أفظع جريمة في حق آلهتم حسب زعْمهم، فقروا قتلَه، ونجاه الله منهم وما النصر إلا من عند الله.
الشيخ علي فقيه

